يبدو مستغربًا أنني، في ليلة الكريسماس، أكتب عن المخاوف الداخلية الأصيلة،
كأنما من المفروض أن ألتزم بالمواضيع المبهجة فقط، ككتاب تعليمات في وظيفة جديدة، لا
يمكنني أن أحيد عنه.
اليوم أصابني رعب هائل.
كنت أقرأ كتابًا مصوّرًا، أو للدقة مجلّد يجمع قصصًا مصوّرة موّجهة
للناشئة، عبارة عن تبسيط للقصص العالمية ذائعة الصيت. كان لديّ مثله وأنا صغيرة،
وتعرّض للمصادرة بطريقة عنيفة فيما بعد، فلمّا وجدت هذا المجلّد في سور الأزبكية
بإحدى معارض الكتاب الماضية، اشتريته على الفور. لم أفتحه إلا الآن، بسبب الحزن
الذي يغلّفه.
طبعًا، كان فتح
هذا المجلّد وقراءة قصصه عملًا في غاية الغباء، من جانبي.
قرأت فيه قصة "الأمير والفقير" لمارك توين، كأنما لم يكفني أن
قرأت قبلها "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز –وأنا لم أقرأ شيئًا لديكنز من
قبل- بكل كآبتها. هالتني كمية القسوة والظلم والعنف في قصة "الأمير
والفقير"، وكونها مصوّرة أيضًا زاد الأمور تعقيدًا. أخرجت مفكّرتي بعدها
وكتبت "إنجلترا القرن السادس عشر تختلف عن الحال في بلدنا الآن، رغم الظلم
والقسوة الطافحة فيه" ولم أصدق نفسي. ظللت أرتجف.
.
كان هذا عملًا غبيًا، لأنني أعرف تمامًا أنني بالليل لا أكون على ما يرام.
في الليل، دونًا عن النهار، يتهاوى أكثر الحاجز بين الواقع والخيال داخل عقلي،
وتصبح صلتي بالواقع أكثر ضعفًا وأبعد. يتساءل الجزء الساخر فيّ "وإيه الجديد؟
ده الطبيعي بتاعك!" لكن، منذ انتهاء العلاج الجديد الذي تناولته لمواجهة
الاكتئاب، والأمر استفحل بطريقة لا تعجبني.
هذا العلاج لم آخذه من نفسي، لأنه ليس قرصي أنتنيال يعطيني إياهما
الصيدلاني لأن بطني "بتسهل شوية لا مؤاخذة في الكلمة"، بل حصلت عليه تحت
إشراف الطبيب وأنا من سعيت إليه، لأن الحال مؤخرًا لم تعجبني على الإطلاق، ولا
أريدها ولا أحبها. الاكتئاب بشكل عام شيء في غاية السخافة والقرف، ولا أريده ولا
أتمناه لأحد. أشعر بشكل ما أن عليّ تكرار "الاكتئاب مقرف" كردّ على
الموجة التي انتشرت منذ فترة بأن "الاكتئاب جميل" لا أدري كيف ولا
لماذا، ولا أي مختلّ اخترع جملة "أحب اكتئابي لأنه يجعلني متفرّدًا"!
بحق الله! أنت لا تعرف أصلًا ما تتحدث عنه، فاخرس خالص واقعد في حتة ناشفة.
هذا العلاج رائع، لكن له آثار جانبية كأي شيء آخر: فقدان الذاكرة أحدها،
وانعدام التركيز.
.
يأتي الليل فتشتدّ عليّ آلام المفاصل، ويزيد تصفير صدري المصاب بالحساسية،
وتنشط أشباحي.
يقول طبيب الباطنة الحاذق، الذي لم يحتمل الحياة هنا فترك البلاد وهاجر
بزوجته وأطفاله، إن ذلك النشاط طبيعي، حيث يستيقظ الجهاز العصبي الباراسمبثاوي
ليستلم الوردية من الجهاز السمبثاوي. لم يشرح لي الأمر جيدًا، كان مرهقًا جدًا
يومها، وأنا لم أقرأ عن هذا الموضوع. طبعًا كان يتحدث عن صفير صدري وينصحني بزيادة
جرعة البخاخة لأربع مرّات إن لزم الأمر، و"أمشّي حالي" ولا أزيد الأمور
تعقيدًا. ألا توجد بخاخة للسيطرة على الأشباح إذن؟
العامل الثالث الذي زاد من خوفي من القصة، أنني في فترة "متلازمة ما
قبل الدورة الشهرية"، حيث تضطرب الهرمونات بعنف ويضطرب حكمي على الأمور معها،
كأن رأسي طبقة بيض في يد صبي بقّال أحمق وقد كسّرها كلها في بعضها ورغم ذلك وصّلها
لنا وطالب بالثمن بكل بجاحة –البقال اللي تحت، مثلًا!- يحدث هذا كل شهر، وصرت أعرف
أعراضي بشيء من التحديد، وأعرف أيضًا أن أفضل علاج أن أتجنب التعامل مع الناس
تمامًا في تلك الفترة حتى تمرّ بسلام. لكن ماذا عن "التعامل معي؟" مش
ناخد بالنا شوية يا روز ولا إيه؟
.
والآن، وقد عرفنا هذه العوامل الثلاث، وكل واحدة أسوأ من الثانية، نستطيع
أن ندرك بشيء من التقريب، ولو واحد على عشرة، كيف تبدو الأمور داخل عقلي.
.
تفريعة خفيفة:
يغيظني دائمًا صديقي العزيز تامر بأنني "Control freak"
أو مهووسة بالسيطرة الدائمة، وأعرف أنا أن هناك صوتًا داخل رأسي يوقظني عند إصابتي
بالكوابيس "اصحي يا رزان ده كابوس! اصحي زهقّتيني" وهو صوت ملول في أغلب
الأحيان، كأنني قاطعته عن جلسة في البرلمان مثلًا، وعندما شرحت هذا الأمر لتامر
قال ضاحكًا إن كل المهووسين بالسيطرة هكذا.
في الجلسة الفائتة، استطاع طبيبي النفسي، بلمحة عبقرية فعلًا، استنتاج من
أين ينبع هذا الهوس بالسيطرة، تلك الرغبة الدائمة في التركيز وامتلاك زمام الأمور
بين يدي وألا أدع شيئًا للصدفة أبدًا، والأهم، ألا أترك مصيري بين يدي الآخرين. ينبع
كل هذا من نقطة في أغوار تاريخي، نقطة مظلمة لا داعي لذكرها كي لا يصاب من يقرأ
هذه التدوينة –وأغلبهم من أصدقائي المقرّبين- بندوب نفسية لا داعي لها. كما أن التجربة
والواقع يخبراننا بأنه، لا أحد يحتاج لمعرفة الحقيقة كاملة.
لكنّي بتّ أعرف الآن جزءًا غفل عني، أو أغفلته ربما عمدًا، يشرح لي بعضًا
من تصرّفاتي. جزء حدث من مئات الآلاف من السنين، من أيام الإنسان الأول حين كان
يختبئ في الكهف من النمور سيفية الأسنان، بالرغم من أنني لم أتم الثالثة والثلاثين
من عمري بعد. والمعرفة ستجعلني أفضل في مواجهته، وربما السيطرة عليه. من الطريف أن
"السيطرة على هوس السيطرة" ربما تجعلني أكثر قابلية للتصرف بتلقائية، بأن
أخفض من الحواجز والسدود والخنادق المليئة بالتماسيح، المحيطة بي، بأن أترك نفسي
للصدفة، ربما، رغم أن مجرّد كتابة هذا الكلام الآن جعل قلبي يخفق بعنف وأذني
تصفرّان، ورجفة تمنع أصابعي من الكتابة.
.
لا يوجد حقيقة واحدة، لا وجود للحقائق المطلقة!
بقراءة كل ما كتبت عاليه، قد يشعر القارئ بالإشفاق عليّ، خاصة لو عرف مثلًا
أن الأشياء التي تخيفني طيلة اليوم، أتعامل مع الموقف جيدًا لكنها تتخزّن في
ذاكرتي لتخرج لي في صورة كوابيس، وأن الصوت الملول قد لمّ أمتعته وسافر غالبًا
لأنه "زهق" أو أراد قضاء الشتاء في مكان أكثر دفئًا من غابات التندرا
التي نعيش في قلبها حاليًا. إحدى الطرق الموصى بها للتعامل مع تلك المؤثرات هي
الكتابة، أن يكتب المرء قبل النوم مباشرة ما يضايقه ويفرغ كل شيء على الورق –من الأفضل
ألا ينشره، كي يكتب بحرية تامة- وحينما يشعر بالتخفف، يتوّجه للنوم. من السيئ جدًا
أن يدخل الإنسان سريره وهو محمّل بمشاعر سيئة من أي نوع، لأن تجربة الخوف أو القلق
أو البكاء في أثناء النوم من الأشياء القادرة على جعله يكره الحياة بكل ما فيها لشهور
طويلة بعدها.
كنت أقول قد يشعر القارئ بالشفقة لحالي، لكن تذكّر: في كل الأمور والمواقف،
لا يوجد طريقة واحدة للنظر إلى ذلك الأمر أو الموقف.
اعتدت لفترة طويلة من عمري أن أكرر على نفسي الجملة ذاتها "عقلي مصاب بعطب
هائل لا يمكن إصلاحه" خاصة لو أضفنا لذلك العِلل المختلفة التي يعاني منها
جسمي، وأغلبها وراثي أو عيوب خلقية. كنت أرثى نفسي كثيرًا وأشعر بالسخط على حالي،
بالنقمة لأنني "ولدت هكذا، بكل هذه الجينات المعطوبة"، إلى أن التقيت
بصديقي العزيز جدًا، تامر.
كان يقول لي وأنفه متكوّر اشمئزازًا إنه لا يحبّ الرثاء للذات، "لو في
إيدي حاجة أعملها ح أعملها، لو لأ، الحياة مبتقفش على حد." وبشكل أكثر أهمية،
علّمني أنه لا توجد وجهة نظر واحدة أو مطلقة الصحة؛ لا توجد حقيقة واحدة: "وليه
ما تقوليش إن عندك مميزات مش عند حد؟ إيه يعرّفك إن مخ البني آدمين كلهم بيشتغل
بنفس الطريقة؟ إنتي عقلك بيشتغل بطريقة مختلفة شوية، سو وات؟ دي ميزة هايلة،
استغليها. إنتي محتاجة بس شوية ثقة بالنفس."
.
الضوء من خلف الغيمة
من بعد العلاج الأخير، وأنا صرت أرى ضوء الشمس، بالتعبير المجازي والحقيقي.
لدينا بلكونة لنشر الغسيل في بيتنا، تطل على حديقة صغيرة جدًا بها نخل
استوائي –وهذه مزحة طريفة، لا أدري مَن صاحبها!- وأشجار مختلفة تحمل أزهارًا
ملوّنة، طبعًا في غير الشتاء. بسبب الاكتئاب، لم أكن أخرج إليها إلا لنشر غسيلي،
وحينما أفعل ذلك لا أتطلع للشجر ولا للسماء، رغم أن هذا لن يكلفني سوى نظرة لأعلى
أو لأسفل، تحريكة بسيطة لرقبتي، خروج عن مسار حياتي اليومية، مدّ لرقبتي خارج درقة
السلحفاة التي أحطت نفسي بها.
في الفترة الأخيرة، صرت أخرج للشرفة.
بسبب قياسات خاطئة وعنجهيتي، أتت الستارة الملوّنة التي اشتريتها وأحبها
كثيرًا، وأعلقها على باب الشرفة، قصيرة نوعًا. ولهذا السبب، فهي تحجب عن رأسي الشمس
القوية، كيلا تصيبني بالصداع النصفي، لكنها لا تمنع أشعتها من على ساقيّ، فأمدهما
وأتخيل أنني على البحر، وأشغل صوت أمواج المحيط والنوارس من تطبيق لأصوات الطبيعة على
موبايلي، بل إنني أحيانًا أرتدي النظارة الشمسية وأروح أتخيّل أننا الآن في المصيف
:)
قبل نشأة العاصفة الحالية، خرجت للشرفة ووجدت الشمس محتجبة وراء غيمة.
ارتديت نفس النظارة الشمسية لإصابتي بحساسية شديدة من الضوء، فخرجت من وراء الغيمة
ولوّحت لها: كأنها تحييني. ظللنا في حديثنا الصامت لعدة دقائق.
اليوم، وبين هبّة رياح وأخرى، دقائق من الهدوء طالت نوعًا ما، فخرجت للشرفة
ثانية، تطلعّت مطوّلًا للحديقة، وجدت النخل الاستوائي يتمايل مع الهواء فضحكت: مَن
كان يتخيل نخلًا وبحرًا وشاطئًا في قلب مدينة نصر! اشتدت الرياح ثانية فدخلت.
الأسبوع الماضي حضرت صديقتنا شديدة اللطف والجمال شوري، لمنزلي، وصنعت معي
بحماسها المُعدي لوحة من الأصداف والقواقع والأحجار و"رؤوس الفلاسفة
الغارقين" على حد تعبير الواد تامر، ومفتاح للكنز ولآلئ. كانت متحمّسة أكثر
مني، وعلى الرغم من أن الأصداف والقواقع مخزونة لديّ منذ سنوات طويلة، فلم يمكن صنع
هذه اللوحة إلا الآن. لم أستطع تجاوز الحزن الذي كنت أعامل حاجياتي به، كأنه لا
فائدة من محاولة صنع شيء جميل، كأنني متّ ويمتلك هذه الأشياء الآن شبحي، إلا بعد تناولي
للدواء، وبحضور شوري، المصباح الصغير.
.
كتبت لصديقي تامر بعدما حكيت له عن القصة السخيفة التي قرأتها اليوم
"فيه حتت في مخّي نوّرت" فردّ عليّ "وده شيء عظيم."
.
أستطيع الآن أن أنام. أفرغت شحنتي السلبية، بنجاح :)
تصبحين على خير، يا روز
26-12-2019
-يسمّون اليوم التالي للكريسماس Boxing Day
لأنهم يتبادلون فيه صناديق الهدايا، وهذه طبعًا، معلومة لا أهمية لها الآن، لكني
أردت ذِكرها وخلاص!-